محمد متولي الشعراوي
10813
تفسير الشعراوي
ثم يقول سبحانه : { فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } [ النمل : 60 ] للماء فوائد كثيرة في حياتنا ، بل هو قِوَام الحياة ؛ لذلك اقتصرتْ الآية على ذكْر الحدائق ؛ لأنها قوام حياة الإنسان في الأكل والشرب . فإنْ قُلْتَ : نحن نعتبر الآن الحدائق الجميلة من باب الكماليات ، وليس بها مُقوِّمات حياتنا . نقول : نعم هي كذلك الآن ، لكن في الماضي كانوا يسمون كل أرض زراعية محوطة بسور : حديقة ، أو حائط . وقال { ذَاتَ بَهْجَةٍ } [ النمل : 60 ] مع أنك لو نظرتَ إلى القمح مثلاً وهو عَصَب القوت لوجدته أقل جمالاً من الورد والياسمين والفُل مثلاً ، وكأن ربك عَزَّ وَجَلَّ يقول لك : لقد تكفلتُ لك بالكماليات وبالجماليات ، فمن باب أَوْلَى أوفر لك الضروريات . والحق تبارك وتعالى يريد أن يرتقي بِذوْق عباده وبمشاعرهم ، واقرأ مثلاً قوله تعالى : { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } [ الأنعام : 99 ] يعني : قبل أن تأكل من هذه الثمار تأمل في جمالها ومنظرها البديع ، وكأنها دعوة للرقي بالذوق العام والتأمل في بديع صُنْع الله . أَلاَ ترى أن الله تعالى أباح لك النظر إلى كل الثمار لتشاهد جمالها ، ولم يُبح لك الأكل إلاّ مما تملك ؟ لذلك قال : { انظروا إلى ثَمَرِهِ } [ الأنعام : 99 ] فإنْ لم تكونوا تملكونه ، فكفاكم التمتُّع بالنظر إليه . ومن هذا الارتقاء الجمالي قوله تعالى بعد أنْ حدَّثنا عن الضروريات في الأنعام : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } [ النحل : 6 ] .